الشيخ محمد رشيد رضا

116

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

أنجزلى ما وعدتني اللهم أنجزلى ما وعدتني ، اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبدا » قال عمر راوي هذا الحديث : فما زال يستغيث ربه ويدعوه حتى سقط رداؤه فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فرداه ثم التزمه من ورائه ، ثم قال : يا نبي اللّه كفاك منا شدتك لربك فإنه سينجز لك ما وعدك . وأنزل اللّه يومئذ « إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ » الآية . رواه أحمد ومسلم وغيرهما . فكان بهذا الوعد اطمئنان قلوبهم لا بسواه فلذلك قدم « به » على « قلوبكم » وأما في يوم أحد فلم تكن الحال كذلك كما علم مما تقدم آنفا ، فلم تعد البشارة أن تكون مما يطمئن به القلب فقال وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ من غير قصر . ثم قال تعالى : لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ ذهب بعض المفسرين إلى أن هذا متعلق بقوله « وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ » وبعض آخر إلى أنه من الكلام في وقعة أحد المقصودة بالذات ؛ فان ذكر النصر ببدر إنما جاء استطرادا ولذلك أنكروا أن يكون ذكر الملائكة الثلاثة الآلاف والخمسة الآلاف متعلقا به . وهذا هو المختار عندنا . أي إنه فعل ما فعل ليقطع طرفا أو وما النصر إلا من عنده ليقطع طرفا . ومعنى قطع الطرف منهم اهلاك طائفة منهم يقال « فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ » إذا هلكوا وقد نطق به التنزيل . وعبر عن الطائفة بالطرف لأنهم الأقرب إلى المسلمين من الوسط أو أراد بهم الاشراف منهم كذا قيل ، والمتبادر الأول لا لأنه من باب « قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ » كما قيل ، بل لأن الطرف هو أول ما يوصل إليه من الجيش . وقد أهلك اللّه من المشركين يوم أحد طائفة في أول الحرب . روى ابن جرير عن السدى أنه قال : ذكر اللّه قتلى المشركين يعنى بأحد ، وكانوا ثمانية عشر رجلا فقال « لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا » الخ ونقول قد ذكر غير واحد من أهل السير أن قتلى المشركين يوم أحد كانوا ثمانية عشر رجلا ، ورد عليهم آخرون بأن حمزة وحده قتل نحو ثلاثين . وصرح بعضهم بان سبب غلط من قال ذلك القول هو ما روى أن بعض المسلمين أراد عد قتلى المشركين فعد ثمانية عشر . وصرح بعضهم بان سبب ذلك أن المشركين أخذوا قتلاهم أو دفنوهم لئلا يمثل بهم المسلمون بعد المعركة كما مثلوا هم بالمسلمين عندما أصابوا الغرة منهم ، وهذا هو